عباس حسن
84
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
وكلمة : « كيف » : تدل على معنى في نفسها ، وهو : الحال ، وتدل على معنى فيما بعدها ، وهو : الاستفهام ، على الوجه السالف ، وكذلك أسماء الشرط . . . فإن كلمة : « من » تدل على العاقل - غالبا - بنفسها ، وكلمة : « ما » تدل - غالبا - على غير العاقل بنفسها ، وهما تدلان على التعليق والجزاء فيما بعدهما ؛ فكأن كل كلمة من أسماء الاستفهام ، وأسماء الشرط ، ونحوها - تقوم مقام كلمتين في وقت واحد ، إحداهما : اسم يدل على مسمى ، والأخرى : حرف يدل على معنى في غيره ، وهذا الحرف يجب حذفه لفظا ، لوجود الاسم الذي يتضمنه تقديرا « 1 » ويؤدى معناه تماما . ومن هنا نشأ التشابه بين نوع من الأسماء والحروف - في خيال بعض النحاة - فاستحق ذلك النوع من الأسماء البناء ؛ لعدم تمكنه في الاسمية تمكنا يبعده من مشابهة الحرف . ولا يكتفون بذلك بل يسترسلون في خلق علل يثبتون بها أن الأصل في البناء السكون ، وأن العدول عن السكون إلى الحركة إنما هو لسبب ، وأن الحركة تكون ضمة ، أو فتحة ، أو كسرة ، لسبب آخر ، بل لأسباب ! ! فما هذا الكلام « 2 » ؟ وما جدواه لدارسى النحو ؟ أيعرفه العرب الخلّص أصحاب اللغة ، أو يخطر ببالهم ؟ علينا أن نترك هذا كله في غير تردد ، وأن نقنع بأن العلة الحقيقية في الإعراب والبناء ليست إلا محاكاة العرب فيما أعربوه أو بنوه . من غير جدل زائف ، ولا منطق متعسف ، وأن الفيصل فيهما راجع ( كما قال بعض السابقين « 3 » ) إلى أمر واحد ؛ هو : « السماع عن العرب الأوائل » ، واتباع طريقتهم التي نقلت عنهم ، دون الالتفات إلى شئ من تلك العلل ، التي لا تثبت على التمحيص . وعلى هذا
--> ( 1 ) راجع الصفحة الأولى من الجزء الثامن من شرح المفصل القسم الثالث : الحروف . ( 2 ) نرى بعضه في حاشية الخضري وشروح التوضيح والصبان وغيرها . . . أول باب المعرب والمبنى . ( 3 ) حاشية الخضري الجزء الأول - أول المعرب والمبنى ، عند الكلام على بناء الأفعال ، وحاشية الأمير على الشذور عند الكلام على المضارع . وكذلك ما أشرنا إليه في المقدمة - هامش ص 8 - من رأى « أبى حيان » الوارد في « الهمع » ج 1 ص 56 حيث يقول عن تعليلات النحاة لحركة الضمير : « إنها تعليل وضعيات ، والوضعيات لا تعلل » يريد بالوضعيات : الألفاظ التي وضعها العرب على صورة خاصة وشكل معين من غير علة للوضع ، ولا سبب سابق يدعو إلى اختيار هذه الصورة وذلك الشكل ؛ فليس هناك سبب إلا مجرد النطق المحض .